نهاية التاريخ ..


الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ


عبدالوهاب المسيري


هذا الكتاب هو الكتاب الوحيد الذي قمت باستعارته من المكتبة العامة مرتين، حيث استعرته للمرة الأولى صيف عام 2005م، ثم عدت في الصيف التالي(صيف2006م) واستعرته للمرة الثانية، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أهمية موضوعه -على الأقل بالنسبة إلي-، كما يدل على موضوعية طرح هذه القضية من قِبَلِ الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله، بل ومما يدلل على موضوعية الطرح أن الطبعة التي قرأتها كانت الطبعة الثالثة، وفيما بعد علمت بأن الكتاب قد تم إعادة طبعة للمرة الرابعة في عام 2005م.


ويدور موضوع الكتاب حول قضية شغلت ولا زالت تشغل بال كثير من الباحثين والمؤرخين،ألا وهي قضية” الإبادة النازية ليهود أوروبا” ، وقد تناول الناس هذه القضية بين منكر لها ومبالغ فيها، ولعدم التخصص فإنني سأنقل بعض مما جاء في كتاب “الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ” للدكتور عبدالوهاب المسيري.


يناقش الدكتور المسـيري في هذا الكتـاب قضية الإبادة النازية لليهود، وفق رؤية حضارية جديدة تتجـاوز السرد التاريخـي والمستوى السياسـي المباشـر ومنطق مُراكمة المعلومات و الحقائق،محاولاً بذلك إثبات أن الإبادة النازية لليهود ليست استثناءًا و لا انحرافًا للحضارة الغربية، و إنما هي مظهر طبيعي لهذه الحضارة التي تعلي من قيم المنفعة والكفاءة والإنجاز والتقدم مهما كان الثمن المادي والمعنوي المدفوع فيها،و ترى أن البقاء للأصلح والأقوى دائمًا .


يقع الكتاب في أربعة فصول:

1- الإبادة النازية والحضارة الغربية.
2- بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوروبا.
3- التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين.
4- الإبادة النازية في الوجدان الغربي.
هذا بالإضافة إلى وجود ملحق في نهاية الكتاب يناقش المصطلحات و المفاهيم.



و عليه فإنني أستميحكم عُذرًا سأورد في هذه المشاركة أهم ما ذكره الدكتور المسيري عن الإبادة النازية لليهود،و ذلك على هيئة نقاط ،و لن يكون دوري سوى نقل أفكار الدكتور المسيري فقط وفق ما فهمت.
وسوف أناقش، أو لنقل سأقوم باقتباس إجابات الدكتور المسيري حول أهم أربع أسئلة أو إشكالات طرحها هو في كتابه، وأجاب عنها بمنتى الموضوعية والحيادية العلمية، والأسئلة التي جذبت اهتمامي في هذا الكتاب، والتي سأطرحها هنا هي كالتالي:

  • قضية الإبادة هل هي استثناء “انحراف”عن الحضارة الغربية أم شكل من أشكالها؟
  • ما الذي جعل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة، شغلت الوجدان الغربي إلى يومنا هذا ،و غطت على ما غيرها من الإبادات بنظر الغرب؟
  • عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوروبا؟
  • أسباب حدوث الإبادة؟



- قضية الإبادة هل هي استثناء “انحراف”عن الحضارة الغربية أم شكل من أشكالها..؟


يؤكد الدكتور المسيري بأن:



ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة احتمالاً كامنًا فيه وليست مجرد مسألة عرضية،وولّدت داخله استعدادًا للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتها بشكل منظم ومخطط .
و تحققت هذه الإمكانية بشكل غير متبلور فـي لحظـات متفرقة”مثل إبادة السكان الأصليين في أمريكا، فقد كان يقدر عددهم عام 1500 م بـ6.5 مليون نسمة لـم يبق منهم سوى نصف مليون بحلول القرن العشرين نتيجة لعمليات التطهير ، و تكرر النمط نفسه في استراليا التي كان يبلغ عدد سكانها الأصليين 2 مليون عند استيطان البيض للقارة عام 1788م لم يبق منهم سوى 300ألف، تكررت المأساة ذاتها في الكونغو عند بناء السكة الحديد بين برازافيل و البوانت السوداء(مساحة طولها 140كم)احتاجت إلى 17 ألف جثة وقد ورد فـي إحدى الدراسات أن عدد المواطنين الأوروبيين الذين لهم علاقة بعمليات التطهير العرقي و الإبادة داخل أوروبا”كضحايا أو كجزارين”يصل إلى 100مليون ولكن الإمكانية الإبادية الكامنة التي تحققت بشكل غير متبلور وجزئي في التجربة الامبريالية الاستيطانية الغربية تحققت بشكل نماذجي كامل متبلور في الإبادة النازية أو في اللحظة النازية النماذجية في الحضارة الغربية أي في اللحظة التي تبلور فيها النموذج وأفصح عن نفسه بشكل متبلور فاضح دون زخارف أو ديباجات ولذا أذهلت الجميع ومنهم المدافعون عن النموذج في صوره الأقل تبلورًا و أكثر اعتدالًا.
و لعل اكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب، فارنست همنجواي “الكاتب الأمريكي” كان يُطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني، و في عام 1940م قال تشرشل انه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير مدنها و حرقها و حرق غاباتها، و كان هناك حديث متواتر عن ضرورة هدم ألمانيا و عن تحويل ألمانيا إلى” بلد رعوية” أي هدم كل صناعاتها و مؤسساتها الحديثة. و نجحت غارات الحلفاء على المدن الألمانية في إبادة مئات الألوف من المدنيين و تحطيم كل أشكال الحضارة و الحياة. و قد بلغ عدد ضحايا الغارات على مدينة درسدن وحدها 200 ألف قتيل. كما استمرت النزعة الإبادية بعد الحرب، فقامت قوات الحلفاء بوضع مئات الألوف من الجنود الألمان في معسكرا ت الاعتقال و تم إهمالهم عن عمد ،و تم تصنيفهم على أساس أنهم” قوات معادية منزوعة السلاح” ، بدلاً من تصنيفهم أسرى حرب ، و ذلك لكي يتم حرمانهم من المعاملة الإنسانية التي تنُص عليها اتفاقيات جنيف “لاحظ أن معتقل غوانتانامو يندرج عليه نوعًا ما نفس التصنيف” و بالفعل قضى 793.239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الاعتقال الأمريكية عام 1945م، كما قضى 167 ألف جندي نحبهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجة للجوع و المرض و الأحوال الصحية السيئة، و في الوقت ذاته كان يوجد 13.5مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر الدولي، تعمدت قوات الحلفاء عدم توزيعها عليهم.
و لم تقتصر الإبادة على التصفية الجسدية بل كانت هناك إبادة ثقافية، فقد قام الحلفاء بما سُمّي “عملية نزع الصبغة النازية عن ألمانيا” للقضاء على النازيين في الحياة العامة فأُقيمت 545 محكمة دائمة على الأقل يتبعها طاقم من الفنيين و السكرتارية عددهم 22 ألف، و قام الأمريكيون بتغطية 13 مليون حالة” أي معظم الذكور الألمان البالغين”، و تم توجيه الاتهام إلى ثلاثة ملايين و سبعمائة ألف ،أجريت لهم محاكمات عاجلة و أدين 930 ألف منهم و صدرت أحكام بشأنهم من بينها 169.282حُكمًا بتهمة ارتكاب جرائم نازية لا مجرد التعاون مع النظام النازي و اصدر البريطانيون 57.649 حكمًا، وبحلول عام 1945م كان قد طُرد 141 ألف ألماني من وظائفهم من بينهم معظم المدرسين في منطقة الاحتلال الأمريكي، و زُج بعدد اكبر من هؤلاء في السجن .و تظهر النزعة الإبادية نفسها في استجابة الحلفاء لليابان، و يكفي فقط ذكر القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما و ناغازاكي ،و التي راح ضحيتها 140 ألف إنسان بصورة مباشرة، ثم مات 130 ألف في هيروشيما وحدها فيما بعد متأثرين بحروقهم من الإشعاع، ناهيك عن عدد ضحايا ناغازاكي الذين لقوا مصرعهم فيما بعد ، هذا بالإضافة إلى التشوهات الخلقية التي حملها و توارثها الناجون إلى يومنا هذا.
و بهذا يتضح لنا أن إبادة الآخر آلية أساسية استخدمها التشكيل الحضاري الغربي الامبريالي في تحقيق رؤيته و مثالياته.


ما الذي جعل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة، شغلت الوجدان الغربي إلى يومنا هذا ،و غطت على ما غيرها من الإبادات بنظر الغرب؟

تعود هذه المركزية كما يعتقد الدكتور المسيري إلى :


1- حداثة الإبادة النازية و منهجيتها الأمر الذي جعلها تقض مضجع الإنسان الغربي.

2- أن الإبادة كانت تتم دائما “هناك” بعيدًا عن أوروبا، في آسيا و أفريقيا، أما الإبادة النازية فتمت “هنا”على ارض الحضارة الغربية ،و على بُعد أمتار من منازل المواطنين العاديين .

3- كما أن العناصر التي أبيدت لم تكن صفراء اللون أو داكنة، وإنما “مثلنا” تمامًا.

4- و أخيرًا يشغل اليهود مكانة خاصة في الوجدان الغربي الديني و الحضاري، فاليهودي يقف دائما على الهامش موضع تقديس و كره عميقين، و حينما صرعته الإبادة النازية تنبه الإنسان الغربي إلى الإمكانية الكامنة التي “تقف فاغرة فاهها” في قلب حضارته الحديثة .


- عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوروبا؟

قبل التعرض لهذا الإشكال، و مناقشة الآراء و الدراسات حوله، يجب أولاً معرفة عدد يهود أوروبا قبل حدوث الإبادة النازية . حيث يورد الدكتور المسيري جدولاً يبين فيه النمو البطيء لليهود، ففي العام 1871م كان عدد اليهود في ألمانيا وحدها 512.150 نسمة أي ما نسبته 1.22% من مجموع سكان ألمانيا و ارتفع هذا العدد إلى 615.021 نسمة عام 1910م أي ما نسبته 0.95% من عدد السكان، و من ذلك نلاحظ :

1- أن نمو اليهود كان يتسم بالبطء و الضآلة، فخلال تقريبًا أربعين عاما لم يزد اليهود سوى بمقدار 102.871 نسمة، رغم حدوث طفرة سكانية في أوروبا في هذه الفترة التاريخية.

2- أن نسبة اليهود إلى المجموع الكلي للسكان قد انخفضت بنسبة 0.27% . و أيضًا هناك قضية أخرى، آلا و هي اختفاء الشعب اليهودي، فمن المعروف أن الفترة بين عامي 1967م و1982م، شهدت تناقص عدد يهود العالم مليونًا، فانخفض من 13.837.500 إلى 12.988.600 نسمة دون حدوث إبادة و دون حالة حرب رغم أن حرب أكتوبر وقعت ضمن هذه الفترة، إلا أنها لا تُعتبر عاملٌ مهم لإنقاص عدد اليهود في العالم، فحرب أكتوبر هي حرب إقليمية،محدودة المكان و الزمان أو أوبئة .

و من الواضح أن يهود أوروبا، أي أغلبية اليهود آنذاك،بدأوا يدخلون مرحلة التناقص ابتداءًا من القرن العشرين و ذلك للأسباب التالية:

1- أسباب تؤدي إلى العزوف عن الإنجاب و إلى تناقص الخصوبة و معدلات التكاثر :
* الهجرة اليهودية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر إلى الولايات المتحد الأمريكية ، و يُقال أن هذه الهجرة قضت تقريبًا على اليهود في المرحلة العمرية من عشرين إلى الأربعين ، و هي مرحلة الخصوبة التي تجعل بإمكان الجماعة أن تعيد إنتاج نفسها.
* مع منتصف القرن التاسع عشر بدأ اليهود بالتوجه نحو المدن و تزايد تركزهم في المدن حيث أصبحت أغلبيتهم تسكن فيها عشية الحرب العالمية الثانية و من المعروف أن سكان المدن من اقل القطاعات البشرية خصوبة.
*كان اليهود، حتى عشية الحرب العالمية الثانية، جماعة بشرية مهاجرة، و من المعروف أن أعضاء مثل هذه الجماعات يعزفون عن الإنجاب لعدم استقرارهم.

*و هناك أيضا عواملٌ أخرى أدّت إلى عزوف اليهود عن الإنجاب،من بينها تحسن مستواهم المعيشي،و القلق الذي كان يعيشه أعضاء الجماعات اليهودية في الفترة بين الحربين العالميتين و إبّان الحرب العالمية الثانية،و كذلك تزايد معدلات العلمنة و بالتالي زيادة التوجه نحو اللذة و تحقيق الذات،الأمر الذي يقوض من الرغبة في إنجاب الأطفال .

2- عوامل تؤدي إلى الاختفاء:
* ابتدءًا من منتصف القرن التاسع عشر كان يتم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية،و هو أمر جديد كل الجدة،و سقوط ضحايا منهم بإعداد كبيرة في الحربين العالميتين،أدّى بصورة ما إلى نقص معدلات المواليد،إذ أن العناصر القادرة على القتال هي عادة من الذكور في سن الخصوبة .
*تزايد نسبة الزواج المختلط بنسبة عالية كانت تصل إلى أكثر من 50% في بعض العواصم الأوروبية.
*تنصر أعداد كبيرة من اليهود، و هو شكل من الأشكال الحادة للاندماج.
* الظروف المختلفة للحرب العالمية الثانية.

و بعد هذه المقدمة نصل إلى الإشكالية،أي إشكالية عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوروبا. حيث يتبنى الإعلام الغربي الرقم 6 مليون باعتباره عدد اليهود الذين تمت إبادتهم على يد النازيين، و لكن هذا الرقم يلقى رفضًا مبدئيًا في الأوساط العلمية اليهودية و غير اليهودية . فبناءًا على المقدمة التي سبقت و الدراسات العلمية الحديثة تبيّن مدى المُبالغة في تقدير عدد ضحايا الإبادة النازية من اليهود،أيضًا بالنظر إلى ما نُشر في الصحف و المطبوعات المتخصصة آنذاك،نجد دليل آخر على ذلك،فالكتاب السنوي ورلد الماناك لعام 1939م،يقدر عدد يهود العالم آنذاك بنحو 15.6 مليون،و في العام 1950م قُدِر عددهم بنحو 16.6 مليون،في حين قدرته صحيفةنيويورك تايمزعام 1948م ما بين 15.7 و 18.6 مليون،و قد ذكر المؤرخ الإسرائيلييهودا باورأن الرقم 6 مليون رقم مبالغ فيه و لا أساس له من الصحة،و أن الرقم الحقيقي اقل من ذلك بكثير،و بينت بحوث المؤرخ الفرنسيجورج ويليرأن أجمالي عدد من أبيدوا في اوشيفتسأشهر معسكر اعتقال سواءٌ من اليهود و غير اليهود،ليس أربعة ملايين و إنما هو 1.6 مليون فقط،و أن هؤلاء لم يقضوا حتفهم من خلال أفران الغاز و حسب،و إنما أيضًا بسبب الجوع و المرض و الموت أثناء التعذيب و الانتحار، و بالعودة إلى أصحاب الرقم 6 ملايين يتبين وجود ثمة خلل في ادعاءهم نبينه فيما يلي:

1- أن أصحاب هذا الرقم لا يشيرون من قريبِ أو بعيد إلى ظاهرة اختفاء اليهود من خلال عوامل طبيعية،مثل الزواج المختلط و سوء التغذية و الغازات و الأوبئة التي تتزايد أثناء الحروب.

2- التركيز على اليهود دون غيرهم من الجماعات الأخرى،فسياسة هتلر في الإبادة كانت موجهه أيضًا ضد الغجر و السلاف و الكاثوليك والروس و البولنديين والمعارضين السياسيين،و أيضا المرضى و المتخلفين عقليًا و الأقزام كذلك.



- أسباب حدوث الإبادة:

يعتقد الكثيرون بأن كراهية النازيين لليهود،هو السبب الرئيسي الذي دفعهم لتنفيذ عملية الإبادة،وهذا السبب بالتأكيد يروج له الصهاينة،بل ويجعلونه سببًا رئيسيًا ووحيدًا لحدوث الإبادة،وذلك كي يكسبوا التعاطف الشعبي حول العالم، ويستخدمونه كمبرر لانتهاكات حقوق الإنسان التي يقوم بها الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين والعرب في المناطق المحيطة.
لكن الدكتور المسيري، وفق رؤيته المتجاوزة للسرد التاريخي، والمنطلقة من مستوى تحليلي حضاري معرفي، يُقدم جملة من الأسباب، التي جعلت من الإمكانية الإبادية الكامنة تتحول إلى حقيقة قابلة للتطبيق، ومن هذه الأسباب، على سبيل الذكر لا الحصر، وعلى سبيل الإيجاز لا التفصيل:

هذه بعض الأسباب التي ذكرها الدكتور المسيري، والتي جعلت من الإبادة خيارًا استراتيجيًا للغربيين،يلجأون إليه وقت الحاجة.
1- مع تزايد معدلات العلمنة الشاملة، لم يعد من الممكن تصنيف البشر على أساس ديني”متجاوز لقوانين الطبيعة/المادة” لذا فلم يكن هناك من مفر من تصنيفهم على أساس مادي موضوعي كامن فيهم، وليس مفارقًا لهم، ولهذا.. طرح الأساس البيولوجي العرقي أساًسا وحيدًا وأكيدًا لتصنيفهم، ومن ثم ظهرت النظرية الغربية في التفاوت بين الأعراق ذات الطابع الدارويني،وتُقسِّم هذه النظرية الجنس البشري بأسره إلى أعراق لكلٍ منها سماته التي يمكن تحديدها علميًا. ومن ثم يمكن تصنيف البشر إلى أعراق عليا:الآريون وبخاصة النورديون، وأعراق دُنيا:الزنوج والعرب واليهود، وتفُوُّق العنصر الآري الأبيض على كل الشعوب الأخرى يُعطيه حقوقًا مطلقة كثيرة تتجاوز أي منظومة قيمية ،وأي حديث عن المساواة. 2- تزايُد معدلات انفصال الحقائق والعلم الطبيعي عن القيمة، والتجريب عن العقل، بحيث أصبح التجريب- المُنفصل عن أية غائيات إنسانية أو أخلاقية- هدفًا في حد ذاته. وترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى”العلم المحايد”أي المتجرد تمامًا من أي قيمة إنسانية. 3- تعاظمت قوة الدولة المركزية وهيمنتها وتحويلها ذاتَها إلى مطلق، ومن ثم أصبح الدفاع عن مصلحة الدولة القومية”ظالمة كانت أم مظلومة” مسألة لا تقبلُ النقاش ولا تخضع لأية معيارية، والانحراف عن هذا الهدف النهائي المطلق هو الخيانة العظمى وعقوبته الإعدام. ويُلاحظ أن مصطلحات مثل “مصلحة الدولة العليا” ليس لها مضمون أخلاقي، وتقبُّلها يعني تقبُّل المجردات غير الإنسانية. 4- ظهور أيديولوجيات علمانية شاملة”مثل الماركسية أو الاشتراكية العلمية والفاشية والنازية” ذات طابع مشيحاني قوي ، وذات رؤية خلاصية تدور حول مُطلق علماني مادي شامل، وتنطلق من الإيمان بالعلم والتكنولوجيا والتنظيم. هذا لا يعني أن الايدولوجيات العلمانية الأخرى ترفض العلم مصدرًا وحيدًا للوصول إلى المعرفة ولتوليد القيم فهذا هو إطارها المرجعي الوحيد، ولكن ما يحدث مع أيديولوجيات مثل النازية أن منطق العلمانية الشاملة يُعبِّر عن نفسه بشكل كامل يتسم بدرجة عالية من لتبلور،خصوصًا حين يُساعده ويُسانده جهاز الدولة المركزية الحديثة. ومن ذلك نستطيع أن نستخلص أكثر من نتيجة:
أ- أن تصنيف البشر إلى أعراق -على أساس مادي موضوعي طبيعي كامن فيهم-هي سمة من سمات الحضارة الغربية الحديثة.
ب- أن مبدأي”انفصال العلم عن القيمة الأخلاقية”، و”قابلية كل شيء للتجريب” قد عمقا في نفوس الأوروبيين، سهولة اتخاذ البشر كحيوانات تجارب.
ج- الاتجاه الكبير لاعتبار الدولة هي المطلق الرئيسي والأول في الحياة، جعل من كل الوسائل-الأخلاقية منها وغير الأخلاقية- أمورًا مشروعة لحماية الدولة. وبذلك نصل إلى النتيجة الرئيسية وهي…….
د- أن كراهية النازيين لليهود ،ليست السبب الرئيسي في دفعهم لتنفيذ الإبادة، فمن الملاحظ من الأسباب السابقة ، أنها جميعًا قائمة على أساس العلم والمنطق وحسابات العقل، وبعيدة كل البعد عن حسابات العواطف والمشاعر سواء بالكره أو بالحب.


في النهاية لا بد من التذكير بأن هذا مجرد نظرة سريعة وموجزه لما تضمنه كتاب”الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ” لمؤلفه العلامة الكبير الدكتور:عبدالوهاب المسيري.

مواضيع ذات صلة :

هذا المقال أستخلص من مدونة كتب ، ومن هنا يمكنك الإطلاع على المقال الأصلي

تقييم المقال :

المفضلة :

FavoriteLoadingأضف للمفضلة

المشاهدات :

122 مشاهدة

التصنيف :

خلاصات علمية

التقـريـر :

Processing your request, Please wait....